أبو علي سينا

219

القانون في الطب ( طبع بيروت )

البدن كله ، ثم فصدنا الرأس وحده واستعملنا الاستفراغات التي تخصه ، ولا نقدم عليها البتة إلا بعد استفراغ البدن كله إن كان في البدن خلط ، وذلك إن علمنا أن المادة فيه نضجية ، وذلك بمشاهدة ما ينجلب إليه ، وإن لم يكن رقيقاً جداً أو غليظاً جداً . وإن كان المرض قد وافى المنتهى ، وكنا قد تقدمنا بالإنضاج بالمروخات والنطولات ، والضمادات المنضجة استفرغنا من الرأس خاصة بالغرغرة إن لم نخف آفة في الرئة ، ولم تكن النوازل المستنزلة بالغرغرة من جنس خلط حاد لاذع ، ولم يكن الإنسان قابلًا لأمراض الرئة ، وكان يمكنه الاحتراس عن نزول شيء رديء إلى الرئة ، وكان حال الرأس أشدّ اهتماماً له من حال الرئة . واستعملنا أيضاً المشمومات المفتحة المعطسة والسعوطات والنطولات لتجذب المواد من الرأس . وربما ضمدنا الرأس بعد الحلق بأدوية مسهلة لحبس الخلط الذي فيه إذا لم نخف من تلك الضمادات إفساد مزاج ، وكنا نثق أن المادة منضجة سهلة الاستفراغ ومع هذا كله ، فنتوقى في استفراغ الأخلاط الباردة أن لا نسهل منها الرقيقة ، ونحبس الغليظة وسبيل وصولنا إلى هذا الغرض ، أن نستفرغ بعد التليين بالملينات المنضجات . وكلما استعملنا استفراغاً ، أتبعناه تلييناً ونتوقى في إستفراغات الأخلاط الحادة التي يضطر فيها لا محالة إلى أدوية حارة في بعض الأوقات ، مثل الأيارج والسقمونيا ، والتربد مع الاسطوخودس أن يبقى بعدها سوء مزاج حار ، بل نجتهد في أن لا يبقى بعدها ذلك ، وذلك بأن نتدارك الإسهال الكائن بها ، والاستفراغ الواقع بالغرغرة ، وغير ذلك تداركاً بالضمادات المبردة ، وأن نتوقى استعمالها إلا بعد نقة مأخوذة من عادة المريض ، إنّ ما يشربه من ذلك يسهله ، ويستفرغه حتى لا يكون سقينا إياه سبباً لهلاك أو فساد ، فإن كانت الأخلاط غير نضيجة أنضجنا أولًا كلًا بواجبه كما نذكر ، وإن كانت الأخلاط متصعدة من جانب أو من البدن كله جذبنا إلى الخلاف مثلًا إن كان من أسافل ، أو من البدن كله استعملنا الحقن ، والحمولات وعصبنا الأطراف ، وخصوصاً الرجل واستفرغنا العضو مثلًا إن كانت المعدة فبأيارج فيقرا أو كان الطحال فيما يخصه ، وكذلك كل عضو ودبرنا كلًا بحسب تدبيره الذي يخصه ، فهذه قوانين كلية في أمر المواد ، وأي مادة استفرغت وحدث بسببها سوء مزاج عالجنا بالضد . ومما تشترك فيه المواد المختلفة في الرأس من الرطوبات على مذهب أصحاب الكي ، أن يكون حيث ينتهي إليه السبابة والخنصر ، ممسوحاً من طرف الأنف أو حيث ينتهي إليه نصف خيط طوله من الأذن إلى الأذن ، وليحلق أولًا الرأس ، ولنرجع الآن إلى التفصيل . أما الدم ، فإن كان في البدن كله ، وكان حصل في الرأس مادة وافرة ، فصدت القيفال ، وإن كان يعد لم يحصل وهو في الحصول فصحت الأكحل ، وإن خفت الحصول قبل أن يأخذ في الحصول ، مثل أن يقع سبب جذاب للأخلاط حول الرأس من حر خارجي أو ضربة أو غير ذلك ، فصدت الباسليق وإن شئت أن تجذب أكثر من ذلك ، فصدت الصافن وحجمت الساق فوق الكعب بشبر ، وفصدت عروق الرجل ، وإن كان بمشاركة عضو فصدت العرق المشترك لهما ، إن أردت أن تستفرغ منهما